محمد بن وليد الطرطوشي

161

سراج الملوك

والعدل ينقسم قسمين : قسم : إلهي جاءت به الرّسل والأنبياء عليهم السلام ، عن الله تعالى ، والثاني : ما يشبه العدل وهو السياسة الإصلاحية التي هرم عليها الكبير ، ونشأ عليها الصغير ، وبعيد أن يبقى سلطان أو تستقيم رعية في حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم ، ولا ترتيب للأمور ثابت ، فذلك ما لا يجوز ولا يمكن . وقد ذكرنا في أول الكتاب : أنّ سليمان بن داود - عليهما السلام - سلب ملكه ، حين جلس الخصمان بين يديه ، وكان لأحدهما خاصة بسليمان ، فقال في نفسه : وددت أن يكون الحقّ لخاصّتى ، فأقضى له ، فسلبه الله تعالى ملكه ، وقعد الشيطان على كرسيّه . فاجعل العدل رأس سياستك ، فتسقط عنك جميع الآفات المفسدة للسياسة ، وتقوم لك جميع الشرائط التي تقوم بها المملكة . قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : إمام عادل خير من مطر وابل « 1 » ، وأسد حطوم « 2 » خير من سلطان ظلوم ، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم . وقال ابن مسعود : إذا كان الإمام عادلا ، فله الأجر وعليك الشكر ، وإن كان جائرا ، فعليه الوزر وعليك الصبر . وقال سليمان بن داود عليهما السلام ، الرحمة والعدل يحرزان الملك . واتفق حكماء العرب والعجم على هذه الكلمات ، فقالوا : الملك بناء والجند أساسه ، فإذا قوي الأساس دام البناء ، وإن ضعف الأساس انهار البناء ، فلا سلطان إلا بجند ولا جند إلا بمال ، ولا مال إلا بجباية ، ولا جباية إلا بعمارة ، ولا عمارة إلا بعدل ، فصار العدل أساسا لسائر الأساسات . فأما العدل النبوي ( فجملة القول فيه ) « 3 » : أن يجمع السلطان إلى نفسه حملة العلم ، الذين هم حفّاظه ورعاته وفقهاؤه ، وهم الأدلّاء على الله تعالى ، والقائمون بأمر الله ، والحافظون لحدود الله ، والناصحون لعباد الله . وروى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الدين النّصيحة ، إن الدين

--> ( 1 ) المطر الوابل : المطر الشديد . ( 2 ) الأسد الحطوم : الشديد القوة ، من أسماء الأسد « المحطم » لأنه يحطم كل شيء يأتي عليه . ( 3 ) سقطت من ( ط ) .